طريق مسدود أمام منتجي ومستهلكي النفط

قد تسارعت أسعار النفط لأعلى هذه السنة ويعتقد البعض بأنها قد تصل 100 دولار للبرميل. وهذا أمر مفزع للكثيرين ويحذرون من أن هكذا صعود يعثر بل يدمر فرص تعافي ونمو اقتصادات دول كثيرة. لذلك نشاهد بوادر هلع وتسارع لعمل أي شيء، بغض النظر عن مدى فعاليته الحقيقية.

ومن بين ردات الفعل هذه، هناك تحركات حثيثة لتأسيس تجمع مناوئ لمنظمة أوبك (التي تضم بعض منتجي النفط وتنظم حجم وحصص الإنتاج وبالتالي تؤثر على أسعاره). فقد بدأ الحوار في يونيو الماضي بين الصين والهند لتأسيس مجموعة مستهلكين تفاوض المنتجين وتضغط عليهم لتخفيض الأسعار أو على الأقل إيقاف صعودها. فالصين والهند معاً تشكلان 17% من اجمالي الاستهلاك العالمي للنفط وبالتالي تمتلكان قدرة تفاوضية قوية.

كما علت الآن أصوات تطالب بضم الاتحاد الأوروبي واليابان لهكذا تجمع مستهلكين من باب أن هؤلاء الأربعة (الصين والهند والاتحاد الأوروبي واليابان) يشكلون مجتمعون 35% من استهلاك النفط العالمي و 65% من انتاج السيارات ووسائط النقل. وبينما قد نفهم التبرير المستند على استهلاك 35% من النفط العالمي، لأنه من الطبيعي أن يرغب أي مستهلك تخفيض تكاليفه، أما النقطة المتعلقة بالسيارات فمنطقها يبدو أعرجاً.

فافتراض ضخامة انتاج السيارات مبني على أن الاتجاه الحتمي لذلك هو نحو تصنيع السيارات الكهربائية التي تقلص استهلاك النفط. إلا أن أصحاب هذا الافتراض يقرون بأن هناك عوائق عديدة قد تؤخر تحقيق انتشار واسع للسيارات الكهربائية إلى ما بعد سنة 2020 أو 2030 أو حتى 2040. ولخصت هذه العوائق بالنواقص الكبيرة والمكلفة في البنية التحتية المطلوبة، وكلفة الإنتاج المتزايدة، والتأخيرات التصنيعية الكثيرة، ومشكلة البطاريات والتخزين، ومتطلبات تحسين وتطوير التكنولوجيا، إلخ. فهكذا تأخير يعني، نظرياً، أن أمام منظمة أوبك (وبقية المنتجين) متسع من الوقت وسنين طويلة للاستمرار في التحكم بالإنتاج وبالأسعار، وليس العكس. أي أن استمرار الأسعار المرتفعة سيعثر تعافي أو يخفض معدلات النمو الاقتصادي في الدول المستهلكة، مما سيؤدي بدوره إلى تقلص الطلب على السيارات الكهربائية المكلفة وتأخير إضافي في رواجها وانتشارها – تبدو وكأنها حلقة مفرغة قاتلة.

والغريب في الأمر، هو كيف يمكن لأذكياء أن لا يبصروا ما هو جلياً أمام أعينهم. فالقدرة الإنتاجية الحالية العالمية للنفط (بما فيها النفط الحجري الأمريكي) كافية لسد كامل الطلب العالمي على المدى القصير والمتوسط. ولكن بشرط توقف الاضطرابات الجيوسياسية والعسكرية المفتعلة من قبل الأقوياء في العالم. فلو سمح لإيران والعراق وفنزويلا وليبيا وأنجولا ونيجيريا وغيرها بالإنتاج عند معدلاتهم السابقة، لغرق السوق بالنفط وهبطت الأسعار كثيراً – فانهيار أسعار النفط في 2014 خير دليل على لذلك.

كما أن عودة الإنتاج إلى معدلاته المرتفعة السابقة سيمنح المنتجين وقتاً كافياً لتوسعة طاقتهم الإنتاجية من آبار وحقول نفط جديدة بشكل منظم وهادئ. فإضافة آبار وحقول جديدة يتطلب وقتاً طويلاً بالإضافة لاستثمارات رأسمالية ضخمة. لذلك فإن إجبار المنتجين على زيادة انتاجهم بشكل فوري بمعدل مليوني برميل باليوم قد لا يكون أكثر الخيارات حكمةً. فالطاقة الإنتاجية الاحتياطية المزعومة قد لا تكون في الحقيقة موجودة أو جاهزة حالاً. وحتى إن تمكنت هذه الطاقة الإنتاجية الاحتياطية من الظهور بأي شكل من الأشكال، فإن استهلاكها سيلغي قدرة المنتجين الكبار لاستخدامها مستقبلاً لتوازن السوق المعرض لتقلبات العرض والطلب، مما سيعرض أسعار النفط لتقلبات فجائية وكبيرة ومتكررة. فإذا مثلاً، زاد الطلب على النفط بدون توفر طاقة احتياطية، سيتولد ناقص حاد في العرض وتنطلق الأسعار لأعلى لتعفس باقتصادات الدول المستهلكة. والعكس صحيح، إذا تقلص الطلب، ستتكبد الدول المنتجة خسائر كبيرة وتفقد استثماراتها الضخمة لتوسعة طاقتها الإنتاجية.

صعود أسعار النفط الذي نشاهده الآن مفتعل وغير طبيعي. فهو ناتج مباشرة عن تدخلات سياسية وعسكرية، مما يعني أن الفائزين في النهاية ليسوا المستهلكين ولا المنتجين، وإنما الأقوياء!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *